كل ما يجب أن تُدركه عن النيّة

بعد إطلاقك للنوايا فأنت هنا أصبحت تؤمن بوجود قوة خفيّة تساهم في بناء عالمنا المرئي وتشييده، أدركت أن نقطة الانطلاق الحقيقية ليست في العالم المحسوس والمُشَاهد فحسب، بل هناك ما هو أبعد وأعمق من ذلك، لكن لماذا لا تتحقق جميع النوايا؟ ولماذا تأخذ بعض النوايا وقتاً حتى تتجلى؟ ولماذا يحمل بعضها الآخر العديد من المفاجآت من صعوبات وعقبات؟

إن اختلاف القوة الدافعة لهذه النوايا يُوجِد لنا مسارات وأشكال تتخذها النوايا حتى تتجلى وتصبح واضحة جلية كوضوح الشمس في سمائنا، وما يمكن أن يساهم في تحقق عكس ما نويناه هو عدم الوضوح الكافي، وعدم الوضوح سببه عدم وعينا بما يوجد بداخلنا، وبما نريده حقاً من أعماقنا. كالذي ينوي السفر فيختار وجهته ويجهز كل ما سيحتاجه، لكنه في العمق يفضّل البقاء وعدم خوض تجارب بعيدة عن مكان إقامته، وهنا تنشأ الإزدواجية التي تُرجّح كفة النية المرتبطة بشعور الأمان، لأنها أقوى وأكثر تركيزاً واتزاناً، قد تنشأ اعتراضات داخلية أخرى تتمحور حول كيف أن النية الأولى ليست مناسبة، أو أن الوقت غير مناسب أو أنه قد يذهب ويجد هناك أموراً لم يكن يتوقعها، وجميعها تولّدت من تلك النية التي لم يلحظ وجودها.

وكحل بسيط لندرك المختبئ خلف نوايانا غير المتحققة، جلسة مصحوبة باسترخاء تام نطرح بها هذه الأسئلة:
ماذا يخدم هذا الهدف؟
ما الشعور الذي تود عيشه من خلاله؟
ما الغاية الحقيقية منه؟
يمكنك الاستمرار بطرح الأسئلة التي ستوسع إدراكك وتمدد وعيك برغباتك، اسمح لكل الأجوبة بالظهور حتى تصل للإتزان الذي يجعلك متيقناً تماماً أن ما ستُقدِم عليه يناسبك أم لا.

أفكارنا ومشاعرنا تخدم رغباتنا العميقة القابعة داخلنا
والتي لن ندركها حتى نعي حقيقتنا وسبب وجودنا

إن الغايات التي تظهر على السطح تمثل غاياتنا التي اكتسبناها من دوافع لا تمثلنا ولا تمثل حقيقتنا، ربما المجتمع صور لنا أنها مهمة، بسعي معظم الناس نحوها وبذل الغالي والنفيس لتحقيقها، ربما نود إثبات شيء لأنفسنا ظننا أننا باكتسابه سنجد ذواتنا أو نُقَارع لنصل ونحقق ما حققه شخص قارنّا به أنفسنا وجعلنا منه مقياس نجاحنا، جميعها غايات غير حقيقية وستتشكل العقبات لتعيق تحققها وسيحمل الطريق إليها الإختبارات التي ستعيدنا لمسارنا، قد تتجلى النوايا بعد كل ما مررنا به، لكنها لن تملأ ما تود منا ذواتنا حقاً أن نسعى إليه وسنبدأ رحلةً أخرى بغايات مختلفة ونظل ندور في حلقة النوايا غير الحقيقية.

وباستمرار رحلاتنا النابعة من رغبات غير حقيقية، يمكن أن نخلق لأنفسنا عالماً مليئاً بالمعاناة والصعوبات، والإخفاق في الوصول لغاياتنا المزيفة يصيبنا بخيبات متتالية ينشأ منها الامتعاض والاستياء والغضب والتذمر ويصبح عالمنا بعد أن كان مليئاً بغاياتنا لا تبدو واضحة وغايات غير حقيقية إلى عالم مليئ بنوايا غير نقية وصافية، نوايا منخفضة مصدرها الألم وكل ما يبعدنا عن ذواتنا.

أعلم بأنك لا تود العيش في عالم كهذا، الجميع يصرح بذلك هروباً من ما تجلى له في الخارج، ليدخل في دوامة أخرى ويحجب عن نفسه العالم الداخلي، لينكفئ في إصلاح الخارج فقط ويقضي جل وقته رافعاً شعارات التحدي والمقاومة المستمرة للخارج، وينسى بأنه أساس كل مُشاهَد وملموس هو الداخل، وأن عليه التوقف عن صنع المزيد من الزيف في عالمه ويلتفت لأعماقه ولنواياه المرتبطة بحقيقته، ونواياه التي إن سلك طريقه نحوها سيكون مفعماً بالحب لأن منبعها روح نقية عرفت حقاً ماذا اختارت وتعرف كل وسيلة وطريق يمهّد لبناء عالم يرفل بالمحبة والسلام والبهجة والأمان.

ماذا عن انخفاضاتنا التي تحجب عنا غاياتنا الحقيقية؟

هناك سُبل متعددة لتحريرنا منها، وتتغير وتتبدل باختلاف وعينا وحالتنا وظرفنا الذي نحن فيه الآن، لا توجد وسيلة واحدة وقد ما يتماشى معك الآن قد لا تحتاجه مستقبلاً فليست الغاية هي التطبيقات بقدر وصولنا للوعي الكافي الذي يجعل منا أشخاصاً قادرين على التعامل مع كل الانخفاضات وتحريرها وإطلاق نوايا متوازنة ونابعة من حقيقتنا. توجد طرق وأساليب كثيرة للتحرر من الانخفاضات متوفرة في المنصة بإمكانك الرجوع إليها في أي وقت.

تود أن تبني عالماً متوازناً؟ ابدأ بنوايا صافية من الانخفاضات وبدوافع مصحوبة بمشاعر متزنة، قبول وسماح لوضعك الراهن ولكل ما تجلّى في عالمك، ونية تِلو نية ستشيد عالماً منسجماً ومتناغماً معك وإن رغبت بإرشاد أقوى يجعلك في حالة سريان وتدفق ووفرة اعرف رسالتك وانطلق بنواياك منها.

أسلوب بسيط لإطلاق النيّة

بعد معرفتك حقاً لما تريده ووصولك لنوايا صافية وغير ملوثة بالانخفاضات إليك أسلوباً بسيطاً لإطلاق النية:

اختر أي مكان تشعر من خلال تواجدك فيه بالسكون والسلام ويرتفع فيه تركيزك على عالمك الداخلي، اجلس جلسة مريحة لا تشعرك بأي تعب وإرهاق، وازن أنفاسك واستشعر كل ما يدخل إليك عبر الشهيق وما يغادرك بالزفير، حتى تصل لحالة من الاسترخاء الجسدي والصفاء الذهني والسكون الداخلي، أغمض عينيك الآن وتخيل تجلي نيتك واستشعر كل تلك المشاعر والأحاسيس الموجودة بداخلها، انسجم وتناغم معها، وانقل كثافة هذا الشعور لقلبك واستشعر الأمان والثقة وبأن ما تطلبه الآن قد تحقق ثم أطلقها بكل حب.

مع الاستمرار والممارسة فقد لا تحتاج لكل هذه الطقوس فالنية محلها قلب مطمئن لا شك فيه. وتذكر بأن نواياك المنخفضة تصنع عالماً لا تعيش فيه حقيقتك ونواياك الصافية تمهد لك العيش في عالم تنطلق فيه من نوايا عالية تقدّر فيها ذاتك وتتمتع بحرية الاختيار، وأن ما ينبع من زيف يهدم وإن بدى لك أنه يساهم في البناء.

نمتنّ لمشاركتنا رأيك..

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

17 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
مرام الشهري

مقال ثمين 🌟💡
شكرًا جزيلاً على الشمولية في الموضوع وعلى توضيح ماهية النوايا المزيفة وإلى ماذا تؤدي 🤍
كل التقدير

szaki037

فعلا كلام جميل

جمانه الحلوه

شكراً جميل جداً..💚

Ghadi

شكرًا لك من أعماقي❤️

ttggt

ممتنه لك عمار وجهت انتباهي لنقطة مميزه وهي انطلاق نواياي من رسالتي 💜

Mona

امتنان امتنان امتنان شكراً جزيلاً عمار

لينا الشعيفاني

مقال وافي وشافي من جميع الأوجه..
بورك وعيك وقلمك كاتبنا عمّار 🙂

مقالة جميلة ورائعة ولفت انتباه لتجديد النية. شكرًا عمار استمتعت بالقراءة واستفدت ❤️

محمد الدهان

بعد الشكر على مقالاتك العميقة.. ارجو النظر في تنسيق خلفية المقال.. لأن اللون الاسود في الخلفية يسبب صعوبة قراءة المقال..

الإدارة

أهلا بك، الخلفية السوداء تظهر لبعض الأجهزة، الخلفية الأصلية فاتحة جدا.

5 2 votes
قيّم