طريق السعادة

الرغبة في عيش مسار يملؤه الدفء والحب والوئام يحتاج لبعض الأمور التي ستساهم بشكل فعال فيه ولا يمكن تحقيق ذلك إلا بمعادلة النية والفعل، فإن نويت التغيير من دوافع حقيقية فستبدأ الحياة باختبارك في ردات فعلك لتعلم أنك تستحق الإنتقال إلى هكذا مسار، وكلما تجاوزت تحدياً بات الأمر أسهل من السابق.

لا يحدث الأمر بأنك ستنام لتصحو وتجد العالم قد أصبح جنةً من تلقاء نفسه! لا يتعلق بإغماض عينيك وتجاهل كل ما حدث ويستمر بالحدوث، بل العكس تماماً، إن تجسيد مسار جديد يتطلب أن تخوض في مسارك القديم أن تراه ولا تتذمر، تجد آثار أفكارك ولا تهرب منها، تتكرر نفس الأحداث وتتغير ردات فعلك.

أتقن فن المواجهة

واجه آلامك وأحزانك وجميع انخفاضاتك، فإن لم تفعل ذلك ستبقى شبحاً يطاردك بعد كل نية تغيير أو فكرة ملهمة أو شعور بالارتياح، إن هذا الألم هو حقيقي تماماً حين تكون متماهياً معه، وحين تتمسك به بدون وعي منك وتعتقد بأن ما اكتسبته من خط سير حياتك يجب أن يبقى معك، ما لا تعلمه أن آلامك غير المحسومة تستمر بإعادة كل التجارب والإحتمالات والسيناريوهات وتضعها أمامك، ليس لشيء، فقط لأنك ترغب بعيشها مجدداً، آلامك تمثل كل عاطفة مكبوتة بداخلك تحجب عنك فرحك وسعادتك، المعتقد الذي عملت على إثباته أو العاطفة التي تجرك نحو الأسفل باستمرار ليس إلا حجارة في طريق أُنسك وابتهاجك فهذا الأصل وما أنت عليه حقاً.

المواجهة تعني أن تمتلك الشجاعة لتعترف بوجود الغضب الذي تمارسه على كل شخص تظن أنه مذنب وله يد في معاناتك وبوجود ذلك الخوف الذي ينتابك حين تهم بكل خطوة للتوسع في حياتك، لا تقل أنا منزعج فذلك يعمل على خلق إرتباط وهمي ليس قائماً على الزمن بل على جعل كينونتك لا تنفصل عن الشعور وتكون أنت والإنزعاج واحد ولكن قل أنا أشعر بالإنزعاج، حين تعترف بوجودها وبإمكانية مراقبتها ورؤيتها، سيسهل عليك التعامل معها بعد ذلك، وأريدك أن تنتبه إلى داخلك بعد كل اعتراف إلى المحارب الذي أعلن الهدنة ووضع سيفه ودرعه وترك المقاومة التي لا تخلق إلا مزيداً من الصراع.

تعلم ممّا حدث

إن لم تستخدم الماضي لصالحك فلا تسمح له بإستخدامك لصالحه، ما حدث قد حدث، أنت تختار كيفية النظر إليه، هل الماضي فقط مجرد سراب لاوجود له الآن أم أنه مصدر معاناتك؟ أم أنه الطريق الذي أوصلك إلى هذه اللحظة التي تقرأ فيها هذا المقال؟

إن الطريقة التي تنظر بها لها علاقة تماماً بما تشعره الآن وتعايشه، والقوة ليست في الماضي الذي حدث وانتهى بل فيك أنت، فأنت تملكها ولكن تستخدمها بطريقة خاطئة وغير مناسبة وبدلاً من أن تتعلم من أخطائك أصبحت تكررها وتعتقد بأن العالم هو الذي يحيك المكائد ويجهز لك العقبات لتتعثر بها، شعورك بالذنب من أنك لم تتخذ القرار الصائب وقتها، استياؤك من عدم قدرتك على الوصول لهدفك في الوقت المناسب مما تسبب بفقدناه، جميعها أحداث صاحبها شعور لحظتها، الشعور كان رصيد خبرتك، لكنك تركت الخبرة من التجربة والدرس وحملت معك الشعور فبِت تصبح وتمسي على تجارب متقاربة تعيد لك نفس ما حدث، أتساءل ماذا لو أنك ما زلت تعيد صفوفك الدراسية في مرحلتك الجامعية أو الدراسية في المراحل الأولية ألم تكن لتضجر من ذلك وتتململ؟ لذا، تعلّم الدرس واعرف أين الخلل ولا تسقط مجدداً.

توقف عن لوم الآخرين

كيف حالك الآن؟ هل تشكو من شيء؟ أبدأت تفكر بمن كان له يد في عثراتك؟ إذاً فما زلت في الماضي. لو كنت في ظروف أفضل مما هي عليه الآن لكنت أفضل، لست أنا السبب فليس هناك من يدعمني ويسندني…….. الخ. صورة مصغرة للعيش في دور الضحية، إن استمررت بخوض هذا الدور ستجلب لنفسك المزيد منه، يمكنك أن تعيش كطالب يتعلم الدروس وكمستعد لإنتهاز الفرص والاستفادة منها أو كشخص لا حول له ولا قوة والخارج هو من يحركه.

ولتقريب الصورة أكثر، لو أردت شراء سلعةٍ ما ولا تملك ثمنها الآن، فإن فكرت بأن البائع أجحف وزاد في سعر سلعته فقد بدأت تُهيئ نفسك لأداء هذا الدور، لكن ماذا لو أنك قلت أن هذا درس لك لتعرف الفوارق التي تمنعك من الوصول للوفرة الكافية وفرصة لتتوسع وتبتكر طرقك الخاصة في نماء مالك كيف سيكون شعورك الآن؟ إن لمت البائع فقد تبقى أسيراً لهذه الفكرة وتمنع عنك رؤية جميع الاحتمالات التي تأخذ بك نحو نواياك، وإن أخذت بزمام المبادرة تجاه نفسك فلن تحصل على تلك السلعة فحسب بل ستحصل على كل ما أردته في جوانب حياتك الأخرى.

السماح

الحياة وما يدور في مسرحها تعلمك السماح باستمرار، بدايةً من ذواتك ومع نفسك، فكل ما خلفته وراءك في الماضي من أفكار ومشاعر وتجسد في حياتك الآن، يحتاج منك أن تتقبله كما هو.

إن كان يغذي فيك شعوراً مرتفعاً خالياً من دوافع منخفضة، اسمح له وللأحداث التي صحبته بالاستمرار، ولو كان ذا شعور منخفض وترافق هذا التجسد المزيد من الأفكار والمشاعر المنخفضة، اسمح لذلك الشعور بالحضور الآن بدون محاولة للكبت أو القمع، ولو حمل معه قناعات تولد المزيد من ذات الشعور، تعامل معها وتحرر من كل فكرة وشعور لا يضيف لك في حياتك سوى المزيد من التجارب المنخفضة.

أما مع الآخرين، فالسماح معهم يكمن في أن تعترف في أحقيتهم بالوجود وعيش تجربتهم الحياتية الكاملة بدون أن تزدري مساعيهم أو تسخر من اختياراتهم أو تعاديهم. إن تأمّلت ملياً هنا فستدرك بأن قبولك لهم إنهاء للإمدادات الطاقية منك لهم وسماحك هو إعلان صريح بأنك الآن توجّه طاقتك في مسارك الخاص بك، أما الحياة المسرح الأكبر فبينما أنت تقرأ تخيل كم الأحداث التي تحصل الآن في كل مكان وزاوية، هل باستطاعتك التأثير عليها كلها؟ أوعلى الأقل الإحاطة بها؟ ماذا يمكنك أن تعمل حيالها؟ ليس الأمر وكأنك عاجز ومن طلب منك أن تتدخل حتى؟ هنا يتضح جلياً أن انشغالك بكل شيء يعني تبديد جهودك وطاقتك، كان بالإمكان أن تستخدمها في أمرٍ يساعدك في تشكيل حياتك وتوجيه تلك الجهود الضائعة ألا وهي رسالتك الروحية في هذا الوجود الفسيح، فمعها لن تتوه أمام تلك الخيارات العديدة وستدرك بوضوح متى وكيف ستضع لمستك في الحياة.

وأخيراً.. قدّر الحياة

وذلك بالامتنان العميق النابع من قلب يستشعر أولاً نعمة الوجود، وثانياً بتقدير ذاته وجعلها لا تسلك سوى تلك الطرق المفعمة بالحياة، بالامتنان تحلق في سماءٍ مغمورة بالحب، فتعيش بحب وتعمل ما تحب بكل حب.

نمتنّ لمشاركتنا رأيك..

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

18 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
aws_xx

شكراً جزيلًا احس هالكلام بوقته.

مرام الشهري

الجزء الأخير عن (الآخرين) مهم وعميق
امتنان لهذا التوجيه

norahsalemm

شكرا لك عمار 🙏 ⚘

هند محمد

شكراً عمار 💚

محمد علي

شكرا على المقال الممتع و المفيد 🙏🏼🌷
هل تعني بكلمة “سماحك” في جملة “وسماحك هو إعلان صريح بأنك الآن توجّه طاقتك في مسارك الخاص بك” اي المسامحة؟؟

Leena

مقال جميل جدا ، فعلا تحرير المشاعر فور وجودها وظهورها يعمل نقله نوعيه وكبيرة 👍🏻

مقالة فخمة وعالية وعيا وطاقة. شكرا عمار ولمنصة عصر السلام وكتاب المنصة

amjadmsm

مقال رائع جدا وثري ✨

3nod.saif

مقال جميييل استفدت كثير شكراً عمار 🙏🌻

1 1 vote
قيّم